|
ماذا نريد من الوزراء الجدد؟
02-25-1430 02:59 PM
يعتبر التعديل الوزاري الذي أقرّه الملك عبدالله بن عبدالعزيز مؤخراً بداية مرحلة جديدة لأهم القطاعات الحيوية في البلاد، لاسيما أن هذا التعديل يأتي في مرحلة مفصلية تمر بها المملكة وسط تغيرات دولية، ليس على المستوى السياسي فحسب، بل على مستويات أخرى اقتصادية وثقافية واجتماعية؛ لذلك لا أعتقد أن هذا التغيير مجرد تغيير في الأسماء أو تدوير للوجوه إنما هو إصرار على التوجه نحو إصلاح حقيقي هدفه ارتقاء الوطن والمواطن السعودي الذي يستشعر المتغيرات من حوله ويقارن أوضاعه بمن هم أفضل منه، انطلاقاً من قوة الدولة الاقتصادية، لذلك كان التفاعل الشعبي مع التعديل الوزاري ملحوظاً، بل أستطيع القول إن المواطنين سعيدون به. فما الذي يريده المواطنون من الوزراء والمسؤولين الجدد الذين شملتهم الثقة الملكية؟ بالتأكيد أن لكل شريحة من المواطنين والمواطنات طموحاتها وأولوياتها وآمالها في مستقبل أفضل، وهذا حق مشروع، إلا أن مدى تحقق الآمال والطموحات يجعل أهداف التغيير والإصلاح على المحك. الكرة الآن في ملعب الوزراء والمسؤولين الذين تسنّموا قريباً زمام المسؤولية.
فالمرحلة السابقة جعلت المواطن يشعر بالإحباط في ظل الزيادة السكانية المتسارعة، والأزمة الاقتصادية المتمثلة بارتفاع الأسعار التي طالت كل شيء وليس فقط المواد الاستهلاكية، مما يعني أن الأزمة نالت من رزق المواطن الذي بات يلحظ رداءة الخدمات وسوء التدبير والإنتاج في بعض الوزارات التي حصلت على ميزانيات ضخمة وأنفقت مصروفات كبيرة دون تطور ملموس، رغم حملات العلاقات العامة التي قامت بها بعض الوزارات في محاولة لتحسين الصورة أمام الجهات العليا في الدولة كون المواطن (يعرف البير وغطاه) كما يقول المثل العامّي.
هناك من يعتبر أن \"الصحة\" تأتي كأولوية لما لها من أثر مباشر على المواطن، فصحته هي رصيده الحقيقي الذي من دونه تكون الحياة لا قيمة لها، وما حصل خلال السنوات الماضية في وزارة الصحة لم يكن تغيراً نوعياً إنما هو نتيجة لتوجهات الدولة في تطوير القطاع الصحي، بدليل استمرار الشكوى من الأخطاء (الأخطار) الطبية نتيجة وجود أطباء غير أكفاء، إضافة إلى مشكلة \"المواعيد\" وعدم وجود \"سرير\" وهي معضلات يعاني منها مرضى يحتاجون إلى عناية طبية فائقة. ونحن عرفنا وزير الصحة الدكتور عبدالله الربيعة منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي بقدراته المهنية العالية في عمليات فصل التوائم السياميين، مما يجعلنا نأمل فيه أن يوظف خبرته بفصل (أمراض) الوزارة عن جسدها فيؤسس لخدمات صحية حقيقية تقوم على الكوادر المؤهلة-الوطنية أو غير الوطنية- لا على كوادر طبية تأتي إلينا لتتعلم أصول المهنة بأجسادنا، فوجود الأجهزة الطبية والكوادر المؤهلة يجعل المواطن لن يغادر مدينته مضطراً للبحث عن سرير فتوصد الأبواب في وجهه، ولن يضطر أيضاً للبحث عن الخدمة الطبية خارج لبلاد، في ظل عدم وجود تأمين طبي للمواطنين.
أما في التعليم، فأعتقد أن الأمير فيصل بن عبدالله بن محمد ما جاء لوزارة التربية والتعليم ليسير على الخطوات القديمة بل جاء حاملاً ثقة ملك البلاد بأنه سوف يتولى تحديث التعليم بشكل جذري ليؤسس لبيئة تربوية/ تعليمية جديدة في كافة الأبعاد (الطالب، المعلم، المبنى المدرسي، المناهج، الوسائل التعليمية...) وفقاً لما تتطلبه المرحلة ويحتاجه المجتمع، كما أن الثقة الملكية امتدت لنائبيه: الأستاذ فيصل بن معمر والأستاذة نورة الفايز، وهما معروفان بكفاءتهما ورؤيتهما التطويرية؛ مما يجعلنا أيضاً متفائلين بأنهما سوف ينظران بعين تصحيحية إلى كل القرارات التخبطية التي سبق أن اتخذت كيفما اتفق، وخاصة أن هناك قضية جوهرية تمس ثقافة المجتمع بالدرجة الأولى وتتمثل بالعدل والمساواة بين العاملين في العمل، فبالإضافة إلى قضية الحقوق المنقوصة للمعلمين والمعلمات هناك قرارات غير منطقية سُنت كأنظمة جديدة لكنها غير منصفة وآخرها على سبيل المثال منع المعلمات المستجدات هذا العام-دون المعلمين- من طلب النقل الخارجي بين المناطق مع أنه حق كفله نظام الخدمة المدنية، وقد أشرتُ لهذه القضية كمثال على تقنين التمييز ضد المرأة في بلادنا، بعدد \"الوطن\" (3024/ 9 يناير 2009).
أما فيما يخص وزارة الثقافة والإعلام فإن وجود الدكتور عبدالعزيز خوجة على رأس المسؤولية ربما يشعر العاملين في حقلي الثقافة والإعلام بالارتياح كونه ليس غريباً عن ميدانهم؛ فهو كأديب ضمن المنتمين والمهمومين بالثقافة، وكانت تصريحاته فور توليه المنصب مريحة، إذ قال إنه يتطلع لتطوير الثقافة والإعلام ضمن سياسة فريق العمل الواحد، ولا أظن أنه يقصد بالفريق الواحد هو فقط الفريق التنفيذي الذي سوف يشكّله لتنفيذ الخطط والبرامج التطويرية بل أعتقد أنه سوف يضع في حسبانه رؤى وتطلعات المثقفين والإعلاميين الذين يأملون أن يكون تطوير الثقافة بوابة لتطور المجتمع؛ لذلك فإن مراجعة الاستراتيجيات الثقافية الوطنية السابقة أمر مهم قبل البدء في إقرار استراتيجيات وخطط جديدة، خاصة أن بعض المدن في بلادنا ما زالت خارج الحراك الثقافي العام لعدم وجود أي مراكز ثقافية فيها. أما فيما يتعلق بالإعلام السعودي عامةً فإن الشفافية، أو بعبارة أخرى: اتساع هامش حرية التعبير، ستضعنا على المحك مع الانفتاح الإعلامي والثقافي الكبير الذي صنع عالماً بلا قيود ولا حدود.
أما وزارة العدل، فإن وزيرها الشاب الشيخ محمد العيسى لم يستلمها بعد إلا أنه صرح بتصريحات مفعمة بالأمل والتطلعات وقال بصريح العبارة إن خطط التطوير جاهزة ومعدّة ولم يبق أمامنا إلا التنفيذ. إذاً تكون مسألة زيادة عدد القضاة وتفعيل دور المحامين أولى الخطى نحو تحويل القضاء من قضاء تحيط به روح الاجتهاد إلى قضاء \"مقنن\" يكون بعيداً عن الرؤى الذاتية/المعرفية للقضاة في الأحكام مهما كانت إيجابيتها. وهذا لن يتأتى دون العلاقة التكاملية بين وزارة العدل والمجلس الأعلى للقضاء، فمحاكمنا ما زالت بعيدة عن مواكبة مستجدات القضاء الحديث، فضلاً عن مواكبة المستجدات والظواهر الاجتماعية الجديدة.
وبما أن هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم الأجهزة الحكومية التي طالها التغيير فمن المهم سرعة تفعيل هذا التغيير من أجل تجسير الهوة السحيقة بين الحسبة والمجتمع التي صنعتها تصرفات طالما وصفت أنها \"فردية\"، لكن التصريحات والأحداث في ظرف عام واحد تدل على أن روح التسامح قد استبدلت بالتجهم والعنف، غير أن الخطاب المتزن والمتسامح لمعالي الرئيس العام الشيخ عبدالعزيز الحميّن الذي صرح فيه أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته وأن الخطأ في العفو خير من الخطأ في العقوبة، أعاد الأمل إلى كثير من أفراد المجتمع أنه بعد هذا التغيير سيتم التفريق بين السلطة والتسلط... يقول محمد شكري: \"علمتني الحياة أن أنتظر\" ونحن علينا أن ننتظر نتائج التغيير.
سعود البلوي - كاتب في جريدة الوطن السعوديه
|
خدمات المحتوى
|
سعود البلوي
تقييم
|